فخر الدين الرازي
210
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
ثم بين حال المسئ بقوله : [ سورة سبإ ( 34 ) : آية 38 ] وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ ( 38 ) وقد ذكرنا تفسيره ، وقوله : أُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ إشارة إلى الدوام أيضا كما قال تعالى : كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها [ السجدة : 20 ] وكما قال تعالى : وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ [ الانفطار : 16 ] . ثم قال تعالى مرة أخرى : [ سورة سبإ ( 34 ) : آية 39 ] قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ( 39 ) إشارة إلى أن نعيم الآخرة لا ينافي نعمة الدنيا ، بل الصالحون قد يحصل لهم في الدنيا النعم مع القطع بحصول النعيم لهم في العقبى بناء على الوعد ، قطعا لقول من يقول : إذا كانت العاجلة لنا والآجلة لهم فالنقد أولى ، فقال هذا النقد غير مختص بكم / فإن كثيرا من الأشقياء مدقعون ، وكثير من الأتقياء ممتعون وفيه مسائل : الأولى : ذكر هذا المعنى مرتين : مرة لبيان أن كثرة أموالهم وأولادهم غير دالة على حسن أحوالهم واعتقادهم ، ومرة لبيان أنه غير مختص بهم كأنه قال وجود الترف لا يدل على الشرف ، ثم إن سلمنا أنه كذلك لكن المؤمنين سيحصل لهم ذلك ، فإن اللّه يملكهم دياركم وأموالكم ، والذي يدل عليه هو أن اللّه تعالى لم يذكر أولا لمن يشاء من عباده ، بل قال لمن يشاء ، وثانيا قال لمن يشاء من عباده ، والعباد المضافة يراد بها المؤمن ، ثم وعد المؤمن بخلاف ما للكافر ، فإن الكافر دابره مقطوع ، وماله إلى الزوال ، ومآله إلى الوبال . وأما المؤمن فما ينفقه يخلفه اللّه ، ومخلف اللّه خير ، فإن ما في يد الإنسان في معرض البوار والتلف وهما لا يتطرقان إلى ما عند اللّه من الخلف ، ثم أكد ذلك بقوله : وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [ الجمعة : 11 ] وخيرية الرازق في أمور أحدها : أن لا يؤخر عن وقت الحاجة والثاني : أن لا ينقص عن قدر الحاجة والثالث : أن لا ينكده بالحساب والرابع : أن لا يكدره بطلب الثواب واللّه تعالى كذلك . أما الأول : فلأنه عالم وقادر والثاني : فلأنه غني واسع والثالث : فلأنه كريم ، وقد ذكر ذلك بقوله : يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ * [ البقرة : 212 ] وما ذكرنا هو المراد ، أي يرزقه حلالا لا يحاسبه عليه والرابع : فلأنه علي كبير والثواب يطلبه الأدنى من الأعلى ، ألا ترى أن هبة الأعلى من الأدنى لا تقتضي ثوابا . المسألة الثانية : قوله تعالى : وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ يحقق معنى قوله عليه الصلاة والسلام : « ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان ، يقول أحدهما اللهم أعط منفقا خلفا ، ويقول الآخر اللهم اعط ممسكا تلفا » وذلك لأن اللّه تعالى ملك علي وهو غني ملي ، فإذا قال أنفق وعلى بدله فبحكم الوعد يلزمه ، كما إذا قال قائل : ألق متاعك في البحر وعلى ضمانه ، فمن أنفق فقد أتى بما هو شرط حصول البدل فيحصل البدل ، ومن لم ينفق فالزوال لازم للمال ولم يأت بما يستحق عليه من البدل فيفوت من غير خلف وهو التلف ، ثم إن